أبو سعد منصور بن الحسين الآبي

173

نثر الدر في المحاضرات

قالوا : عدل السلطان أنفع للرّعيّة من خصب الزّمان . كان الفضل بن الرّبيع يقول : مساءلة الملوك عن أحوالهم من كلام النوكى ؛ فإذا أردت أن تقول : كيف أصبح الأمير ؟ فقل : صبّح اللّه الأمير بالكرامة . وإن أردت أن تقول كيف يجد الأمير نفسه ؟ فقل : وهب اللّه للأمير العافية ، ونحو هذه الأشياء فإنّ المسألة توجب الجواب فإن لم يجبك اشتد عليك وإن أجابك اشتدّ عليه . قيل لابن عباس : إنّ النّاس قد فسدوا ولا يصلحهم إلّا الشر . قال : باللّه الذي لا إله إلّا هو للجور أشبّ للشّرّ ، والعدل أطفأ للجور . وفي العدل كفاية ، وإليه انتهت السّياسة . وقد يصيب الوالي في رعيّته بأربع من نفسه وأربع من أنفسهم ؛ فأمّا الأربع اللّواتي منهم فالرّغبة والرّهبة والأمانة والنّصيحة . وأمّا الأربع اللّواتي من نفسه فإعطاء من نصحه ، والجزاء لمن أبلاه ، وعقوبة ذي الذنب بقدر ذنبه ، والتنكيل ممن تعدّى أمره ، فإن هو لم يفعل ذلك وتراخى ابتلي منهم بأربع : بالغشّ والخذلان والخيانة والنّكد . قيل : ليعلم من نال شرف المنزلة من السلطان وهو دنيّ الأصل أنه ثأر الأشراف ، وأنه لا نجاة له منهم إلا أن يعمرهم بالإحسان إليهم . إذا كان الملك ضعيفا ، والوزير شرها ، والقاضي كذوبا ، فرّقوا الملك شعاعا . ملك عسوف أجدى على الرعيّة من ملك مقتصد السّيرة ضعيف ؛ لأنّ العسوف القويّ قد يدفع عن البيضة بقوّته ، ومعه أنفة يحمي بها حوزته ، والضعيف لا يستقصي حقّه ، ولا يأخذ حقوق رعيّته ، ولا قوّة به على دفع عدوّه وعدوّهم . إذا قنع الملك بإفساد دينه لم تقنع رعيّته ، إلا بإزالة ملكه . ظلم الرعية استجلاب البليّة . أحزم الملوك من ملك جدّه هزله ، وقهر رأيه هواه ، وعبّر عن ضميره فعله ، ولم يخدعه رضاه عن حظّه ، ولا غضبه عن كيده .